المسعودي
38
مروج الذهب ومعادن الجوهر
تكون سبباً لأخذ المطرف فإني على ذلك إذ تحرك المتوكل فيه وقد كان التف عليه المطرف فجذبه جذبة فخرقه من طرفه إلى طرفه ، قال : فأخذه ولفه ودفعه إلى خادم قبيحة الذي جاءه بالخلعة ، وقال : قل لها احتفظي بهذا المطرف عندك ليكون كفناً لي عند وفاتي ، فقلت في نفسي : إنا لله وإنا إليه راجعون ، انقضت والله المدة ، وسكر المتوكل سكراً شديداً ، قال : وكان من عادته أنه إذا تمايل عند سكره أن يقيمه الخدم الذين عند رأسه ، قال : فبينما نحن كذلك ومضى نحو ثلاث ساعات من الليل إذ أقبل باغر ومعه عشرة نفر من الأتراك وهم متلثمون والسيوف في أيديهم تبرق في ضوء تلك الشمع ، فهجموا علينا ، وأقبلوا نحو المتوكل حتى صعد باغر وآخر معه من الأتراك على السرير ، فصاح بهم الفتح : ويلكم ! ! مولاكم ، فلما رآهم الغلمان ومن كان حاضراً من الجلساء والندماء تطايروا على وجوههم ، فلم يبق أحد في المجلس غير الفتح وهو يحاربهم ويمانعهم ، قال البحتري : فسمعت صيحة المتوكل وقد ضربه باغر بالسيف الذي كان المتوكل دفعه إليه على جانبه الأيمن ، فقَدَّه إلى حاصرته ، ثم ثناه على جانبه الأيسر ففعل مثل ذلك ، وأقبل الفتح يمانعهم عنه فبعجه واحد منهم بالسيف الذي كان معه في بطنه فأخرجه من مَتْنِه ، وهو صابر لا يتنحَّى ولا يزول ، قال البحتري : فما رأيت أحداً كان أقوى نفساً ولا أكرم منه ، ثم طرح بنفسه على المتوكل ، فماتا جميعاً ، فلفا في البساط الذي قتلا فيه ، وطرحا ناحية ، فلم يزالا على حالتهما في ليلتهما وعامة نهارهما حتى استقرت الخلافة للمنتصر ، فأمر بهما فدفنا جميعاً ، وقيل : إن قبيحة كفنته بذلك المطرف المخرق بعينه ، وقد كان بُغا الصغير توحش من المتوكل فكان المنتصر يجتذب قلوب الأتراك ، وكان أو تامش غلام الواثق مع المنتصر ، فكان المتوكل يبغضه لذلك ، وكان أوتامش يجتذب قلوب الأتراك إلى المنتصر وعبيد الله بن خاقان الوزير والفتح ابن خاقان منحرفين عن المنتصر مائلين إلى المعتز وكانا قد أوْغَرَا قلب المتوكل